مدونة حلمي العلق

قرآن المتقين خارج محنة العقل

أي قوة تلك التي نحتاجها لفهم الكتاب السماوي؟ هل هي قوة العقل وحضور العلم بجميع أدواته! أم قوة العلاقة مع رب الكتاب ومنزّله؟ القرآن الكريم وفي ديباجته في سورة البقرة يقول إن هذا الكتاب "هدىً للمتقين"، فأي قوة نستحضرها بعد قوة التقوى والإيمان لفهم حديث الله والاستزادة منه ؟

في قراءة القرآن الكريم يوجد تباين واضح بين مسارين مختلفين: مسار يعني للعبور بواسطة آياته إلى ساحة التقوى والبيان والفهم والهدى، وآخر للعبور بواسطة تلك الآيات البينات إلى غرائب العلم وقوة الاستنتاج باستخدام العقل وأدواته.

إن الإفراط في استخدام العقل كأداة حادة ووحيدة في الفصل بين الحق والباطل، زاد الخلاف حدة وتبايناً بين المختلفين في الكتاب بدلاً من أن يزيدهم اقتراباً منه وتقوى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)1. والعقل في طبيعته لا يدعو إلا لوضع القوانين التي تنصر المبدأ القائم والعقيدة السائدة، لكنه لا يؤسس للبصيرة.

ونهج القوانين العقلية - في الحقيقة – هو ما حوّل الدين إلى دين قائم على الغلبة، غلبة العقل وقدرة الإقناع والاستنتاج ، في حين أن النبي محمد (ص) استحوذ على قلوب أصحابه لا على عقولهم بدين السلام والراحة والرضا والطمأنينة ،من دين تشرّبه وهو قائم يصلي أناء الليل يتلقى بتبتله القول الثقيل، فيلقي كتابه على أصحابه فيتلقونه بقلوبهم بلا ريب ولا تردد.

لو تأملنا فتنة تبديل القبلة التي عاشها المسلمون، ووضعناها في هذا السياق، سنفهم أنها اختبار لهم في الإيمان بالمسار والمنهج، هي فتنة تفرز من تبهرهم قوة العلم وغلبته، في قبال من يؤمن بمسار الهدى وصدقه وتوافقه مع القلب. (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)2 خصوصاً وأن النبي كان يواجه مردة أهل الكتاب من الذين يمتلكون من الحجج أبلغها.

بمعنى آخر: أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من المؤمن أن يكون باحثاً عن الدقة بقوانين العقل وهو يسير في الطريق والمنهج الخاطئ، ويدعوه أن يُبقي قلبه يقظاً باحثاً عن المسار الصحيح على الدوام.

تقول الآية الكريمة:(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)3 رؤية العلم وقوته و براهينه فقط، يضعف الالتفات إلى قوة الكلمة وصدقها، وهذا يعني بدوره انحسار البصيرة التي مكانها القلب لحساب البصر الذي مكانه العقل والبرهان والقانون، ويعني انحسار استجابة الإنسان واستسلامه للحقائق الربانية لصالح قناعاته العقلية التي لا يطالها إلا برؤية تامة ماثلة أمام عينيه، تماماً كما كان يقول فرعون لهامان: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ (*) أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً)4.

ذلك الارتباط بين الرؤية التامة والقناعة هو ما يدفعنا لاستنتاج الارتباط الوثيق بين قوة العقل الذي يمتاز ويتباهى به الإنسان وبين قوة الأنا والكبر والاستعلاء، تلك الصفة الممقوتة والتي هي عكس الإسلام وصفة الاستسلام. وإلا لكان فرعون محقاً فهو يريد بصرحه أن يبصر الإله بالدليل الذي لا شك فيه، لكن الله وصفه بأنه من المستكبرين.

إن التأمل في الكتاب السماوي لا يتنافى مع العقل ، لكنه يتنافى مع الكبر الذي يستخدم العقل كأداة وحيدة ، لذا فإن كان للعقل مكان ، فمكانه يأتي بعد القلب الذي يتشرب الهدى ويستسلم له دون تردد، ومن ثم يوظف العقل في التوضيح والتبيان.

لقد تسبب انحسار منهج البصيرة في إخراج الكتب السماوية من حوزة الخاشعين الذين يستقبلون الهدى بقلوب منفتحة، إلى حياض الأقوياء بالمنطق والكلمة والذين يستقبلون كل كلمة بالرصد والتمييز دون أن يكون لها أثر على القلب. وقد أدى ذلك بالنتيجة إلى الاختلاف رغم وحدة المشارب وتطابق الأدوات.

يقول الله سبحانه وتعالى موجهاً خطابه للمؤمنين (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)5.

أولئك أصحاب الكتاب أصحاب الكلمة وقوة العلم والحجة البالغة ،الذين أتقنوا العلم ، دون أن يتقنوا الاستسلام والإذعان للحقيقة ، معهم كانت أو ضدهم ، مؤيدة لما ألفوا عليه آباءهم أم لم تكن كذلك! بل إنهم وظفوا علومهم للغلبة و الانتصار لمركزهم وكان العلم باباً من أبواب الكفر بدلاً من أن يكون محطة للتزود بالتقوى.

(فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)6 .


هوامش:

1- سورة البقرة آية (176)

2- سورة البقرة آية (143)

3- سورة الأنعام آية (104)

4- سورة غافر آية (35) ، ( 36)

5- سورة الحديد آية (16)

6- سورة عافر آية (83)